أمين إفلاس

أعضاء اللجنة

    دور الأمين ومستوى التأهيل المتوقع

    يعد دور المحكمة -في إجراءات الإفلاس التي تشرف عليها- جوهريًا، والممارسة المثلى في العديد من الأنظمة القضائية أن يكون دور المحكمة مراقبة نزاهة إجراءات إدارة دعاوى الإفلاس ومنع تعسف أي من الأطراف في استخدام صلاحياته النظامية لتحقيق مصلحة غير مشروعة، والدور الأكبر في إدارة الإجراء وإدارة النشاط يكون للمدين والدائنين تحت إشراف الأمين لإتاحة قدر أكبر من المرونة وتنويع المعالجات بحسب الحاجة، وكلما كان الإجراء يدار خارج المحكمة كان أسرع وأكثر كفاءة وأدعى لنجاح إجراءات الإفلاس وأقرب للممارسة المثلى، وهذا بلا شك يُحمّل المدين والدائنين والأمناء والخبراء مسؤولية كبيرة في نجاح هذه الإجراءات.
    دور الأمين
    إن الواجب على أمين الإفلاس للحصول على الترخيص أن يستوفي جميع شروط الترخيص الواردة في قواعد الترخيص للأمناء والخبراء ومنها أن يكون محاميًا مزاولًا لمهنة المحاماة أو محاسبًا مزاولًا لمهنة المحاسبة، إضافة إلى اجتياز الدورات التدريبية. ويبقى السؤال الأهم: هل هذا كافٍ لنجاحه في الممارسة؟
    الواقع أن هذه الشروط والمتطلبات ليست إلا مدخلًا وتأهيلًا أساسيًا، فالحاجة قائمة لمستوى عالٍ من التأهيل لدى الأمين ليكون مُمَكنًا وسببًا رئيسًا في رفع جودة إجراءات الإفلاس، وتقليل مدتها، وتخفيض تكلفتها، وتحقيق غاياتها من تعظيم قيمة أصول التفليسة، وزيادة العائد للدائنين، وتمكين المنشآت المتعثرة، والمحافظة على القيمة الاقتصادية. إنّ مجالات التأهيل متعددة ونطاقها واسع يصعب الإحاطة به، ولكن يمكن التركيز على ثلاثة مجالات باعتبارها الأهم في التأهيل الواجب على الأمين، وهي المجال المحاسبي، والمجال القانوني، والمجال الإداري.​

    المجال الأول: المجال المحاسبي

    المحاسبة أحد ركائز العمل في إجراءات الإفلاس، والأغلبية العظمى من الأمناء في عدد من التجارب الدولية -مثل بريطانيا- هم محاسبون، وذلك لما يتطلبه العمل من الإلمام بمفاهيم التقارير المالية والقدرة على قراءة القوائم المالية ومعرفة ما إذا كانت المنشأة مفلسة أو متعثرة، أو يخشى تعثرها بناء على تدفقاتها النقدية، وما يمكن إدراجه ضمن الأصول أو الخصوم، وغير ذلك، وعمومًا فأهمية المحاسبة في عمل الأمين غنية عن البيان، وهذا إن كان ميسورًا بالنسبة للمحاسب، فهو واجب ضروري على المحامي باعتباره خارج نطاق تخصصه الأصلي.
    وتجدر الإشارة إلى أن العمل في إجراءات الإفلاس -خاصة مع حداثة التجربة- يوجب الابتكار والتطوير في مجال المحاسبة وذلك للتأكد من أن المحاسبة وفق معاييرها تحقق غايات إجراء الإفلاس التي من أبرزها وأهمها تعظيم قيمة الأصول وزيادة مبلغ التوزيع والعائد للدائنين والمحافظة على القيمة الاقتصادية ودعم أنشطة المدين من أجل الاستمرار. تظهر أهمية المحاسبة والبيانات المالية والقراءة الصحيحة لها في أنها تعين على الوقوف على اختيار المعالجة الأفضل للمنشآت المتعثرة وفهم ما إذا كان من الممكن أن يستمر النشاط إذا ما عولجت الديون من خلال إجراءات التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي أو أن الأمر يتطلب تصفية النشاط. لعل من الواضح أن الممارسة تتطلب من المختصين التطوير والمواكبة والابتكار لتحقيق أهداف نظام الإفلاس وفق قواعد المهنة، وكذلك من واجب الممارسين من المحامين وغيرهم طرح التحديات العملية للبحث عن الحلول.​

    المجال الثاني: المجال القانوني

    المعرفة القانونية من الأسس المهمة لعمل الأمين، فعمله يتضمن العديد من الأعمال القضائية وأعمال أعوان القضاة. فلذلك لا بد للأمين من الإلمام بالأمور القانونية المتعلقة بعمله إلمامًا كاملًا يتضمن معرفة أساسات المعارف والعلوم والمهارات القانونية وما يتعلق بالحقوق والالتزامات وطرق الإثبات والخصومة القضائية والاختصاص القضائي وما يتصل بها من جهة، ومعرفة ما يتصل بإجراءات الإفلاس وأنواعها وما تضمنه نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية والقواعد والقرارات الصادرة من لجنة الإفلاس من أحكام من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال يتعامل الأمين والخبير مع ديون من مصادر مختلفة فيحققها ثم ينتهي إلى التوصية بقبولها أو رفضها أو عرضها على خبير، ويجرد أصولًا تتعلق بها حقوقًا للمدين وللآخرين، ويراجع عقودًا ليتخذ قرارًا بشأنها إما بالاستمرار أو الإنهاء، كما يصدر قرارات التوزيع في إجراءات التصفية وينفذها بما يتطلب إحاطته بأولويات الديون سواء وفق نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية أو الأنظمة الأخرى ذات الصلة، وذلك بلا شك يتطلب معرفة بمفاهيم الحقوق والالتزامات الأساسية. كما أن إجراءات الإفلاس تتسم بأنها في مجملها إجراءات قضائية، تتضمن أحيانًا الخصومة بمعناها التقليدي، وأحيانًا أخرى تتضمن إجراءات خصومة لها طابع خاص من حيث نطاقها وما يصدر عنها من أحكام، وهو ما يؤكد أهمية إلمام الأمين بمفاهيم الخصومة القضائية وإجراءات الإفلاس. وفي المقابل فإن معرفة مفاهيم الولاية والاختصاص مما لا يسع الممارس في مجال الإفلاس جهله، فبغير ولاية يفقد الإجراء سند شرعيته وأساس صحته ويتعرض للبطلان وقد يصل إلى الانعدام.
    وفي سياق متصل، فإن من الواضح أن دور الأمين في عدد من المهمات التي يقوم بها هو دور قضائي أو دور شبه قضائي، فعندما يدعو الأمين الدائنين لتقديم مطالباتهم ضد المدين فهو يستلم هذه المطالبات ويدرسها ويذكر على ماذا استندت وهل هي بموجب عقد إجارة أو عقد بيع أو عقد عمل أو أنها قرض أو كانت بسبب تمويل أو تعويض أو أيًا كان سبب نشوء هذه المطالبة، ثم بعد ذلك ينظر إذا كان هناك أي طريق من طرق الإثبات وكان لديه أوراق أو عقود موقعة أو إثباتات أو مستندات أو تحويلات بنكية وغيرها من الإثباتات والأدلة التي يستند إليها الدائن في مطالبته ثم يتولى الأمين دراسة هذه المطالبة ومطابقتها مع ما تقدم به المدين في الأوراق السابقة وما لديه من أوراق عمومًا، وقد يوجه أسئلة للدائن أو للمدين بشأن هذه المطالبة أو بشأن تحقيق هذا الدين إلى أن ينتهي إلى نتيجة، فيذكر أسباب ما توصل إليه وبعد ذلك يوصي بقبول المطالبة كليًا أو قبولها جزئيًا أو رفضها كليًا أو العرض على خبير، أو في حال كان فيها ما هو غير مقبول أو فيها محل منازعة قضائية أو غير ذلك، فموضوع دراسة المطالبة عمومًا شبيه بالحكم القضائي، فحينما نستعرض أي حكم قضائي سنجد أن الحكم يتضمن عرض الوقائع وبسط حجج الأطراف وأدلتهم قبل استعراض الإطار القانوني المنطبق على هذه الوقائع، ثم بحث واستخلاص حكم القانون على الوقائع المطروحة، وتفنيد وبسط أوجه دفاع ودفوع الأطراف إيرادًا وردًا، وصولًا إلى الخلاصة النهائية وهي منطوق الحكم بما يشيع بين الأطراف الاطمئنان على أن دعاواهم أو مطالباتهم وزنت بشكل دقيق على أسس شرعية ونظامية، فالحكم يتضمن مقدمة ووقائع وبعد الوقائع أسباب، وبعد الأسباب نطق الحكم، ودراسة المطالبة فيها تشابه مع ذلك، وواجب على الأمين أن يلخص كل ما تقدم به الدائن من الأمور المؤثرة ثم ما يؤثر في صحة ذلك أو عدمه مما لديه من أوراق المدين، ثم بعد ذلك إذا كان يوجد أسئلة أو غيرها أو أي أمور تستدعي النظر والبحث خوفًا من وجود احتيال أو تلاعب أو مخالفة أنظمة إلى غير ذلك، وهذا كله شبيه بالحكم القضائي. ومن هنا تبرز أهمية تدرب الأمين على أعمال الصياغة القانونية وذلك من عدة أوجه أولها: أن يطمئن الأطراف على أن حججهم وطلباتهم ودفاعهم قد نوقشت بشكل دقيق وطبق عليها صحيح القانون بما يشيع الاطمئنان لعدالة الإجراء وكما قيل فإن العدالة يجب أن ترى حتى تقام (justice must be seen to be done) ، وثانيها: أن هذا يسهل من مهمة جهات الرقابة على عمل الأمين سواء تمثل ذلك في المراجعة القضائية التي تكون من خلال الاعتراض على قراراته أمام القضاء أو من خلال التفتيش والتحقق الذي تقوم به لجنة الإفلاس، إذ يتبين لهذه الجهات الأسس النظامية الصحيحة التي بنى عليها الأمين قراره، وثالثها: أن الصياغة السليمة تكفل التراكم المعرفي من الأمين إلى فريق العمل المعاون وتكريس وتطوير الإدارة المنضبطة للإجراءات بين أجيال الممارسين.
    وهذه الأمور مهمة وواجب على الأمين القيام بها، وقد يكون القانوني أو المحامي معتادًا على هذا الأمر أكثر من المحاسب مما يجعل الواجب على المحاسب أكبر في أن يتولى هذه المهمة بالطريقة الواجبة وليس أن يتولاها بما يحقق المقصود من هذا الإجراء، وليس وفق قواعد الإجراءات المعتادة لديه كمحاسب. وبمقارنة سريعة، فإن من الواضح في طريقة العرض أن المحاسب يعرض أموره بأرقام وجداول وما شابه، وهذا وإن كان جيدًا في العموم إلا أنه قد يتسبب أحيانًا في الإخلال بواجباته من الناحية القانونية، وفي الجهة المقابلة فإن المحامي قد يسهب في الطرح والتحرير وعرض الأقوال والحجج، ولكن قد يوجد لديه تقصير في مسألة الأرقام وعرضها وأسلوب دراستها، ولذلك فالتأهيل مهم بشكل بالغ للمحاسب والمحامي على حد سواء.​

    المجال الثالث: الإداري

    وفي المجال الإداري، يتضح أن معرفة الأمين -سواء كان محاسبًا أو محاميًا- بأن مهارات الإدارة بالغة الأهمية في نجاح الإجراءات، وبيان ذلك أن كثير من الشركات التي دخلت في إجراءات الإفلاس سواء كانت لإعادة التنظيم مالي أو التصفية ، دخلت في هذه الإجراءات لسبب يعود إلى سوء إدارة أو حوكمة الشركة أو طريقة اتخاذ قراراتها، فمن يستطيع أن ينهض بهذه الشركة ويعرف مشاكلها لا بد أن يتحلى بمهارات إدارية تساعد الشركة في مثل هذه الظروف. إن الحديث عن مهارات الإدارة واسع جدًا بلا شك، فإن كون الأمين على مستوى عالٍ في المهارات والقدرات الإدارية ولديه من الخبرة ما يكفي في هذا المجال مهم جدًا، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فلا بد على الأمين -على الأقل- أن يهتم بمهارات الإدارة اللازمة ومن ضمنها المهارات والمعارف الأساسية في الإدارة وأسلوب التفويض وما يجب تفويضه وما يجب عدم تفويضه وخلاف ذلك من المهارات والمعارف الإدارية الأساسية كحدٍ أدنى من المهارات الإدارية، ولو نظرنا إلى التجا رب الدولية في هذا السياق لوجدنا بعض الوظائف المتخصصة في هذا المجال ومن ذلك وظيفة المدير التنفيذي لإعادة الهيكلة أو إعادة التنظيم المالي ما يسمى (CRO) وهو اختصار لـ (Chief restructuring officer) ، وهذه الوظيفة لها وصف وظيفي خاص يتمتع الموظف فيها بصلاحيات واسعة فهو يمثل الدائنين والمدينين على حد سواء ويعمل لصالح الجميع داخل المنظمة فيما إذا كانت خاضعة لإجراء إعادة تنظيم مالي، وهذا كله يدل على الأهمية البالغة لوجود مهارة الإدارة ضمن مهارات الأمين الأساسية.
    ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن يكون لدى الأمين مهارات تفاوض عالية جدًا، فكلما استطاع الأمين أن يشرك الدائنين والأطراف في أوقات مبكرة وأن يصنع منهم أطرافًا مؤثرة في إعداد المقترح وفي إعداد خطط إعادة التنظيم المالي وغيرها كلما كان الإجراء أدعى وأقرب وأحرى بالنجاح. وإذا كان الأصل أن هذه المهام يضطلع بها المدين فإن الأمين بما لديه من خبرة وسابق معرفة وتجارب قد يستطيع أن ينقل للمدين تجربته ويعاونه في إعداد مقترح جيد يمكن أن يحظى بقبول الدائنين وأن يكون من الممكن تنفيذه، وقد يكون لمعاونته قيمة كبرى خصوصًا مع اختلاف حجم المنشآت ومستوى تخصص العاملين فيها. وفي مهارات التفاوض هناك مهارة في غاية الأهمية، وهي إقناع الأطراف بنقاط المكاسب المشتركة أو ما يسمى (win-win situation) أو (win-win negotiation) لأنه متى ما كان في حالة (win-win negotiation) فهو بدوره استطاع أن يصنع قيمة إضافية للدائن والمدين على حد سواء ولا شك أن إجراءات الإفلاس تهدف بشكل رئيسي إلى تعظيم القيمة الاقتصادية والمحافظة عليها وتعظيم العائد للدائنين إذا أقنعهم بإعداد خطة يتشاركون فيها جميعًا ليصلوا إلى صنع خطة مقنعة تساعدهم في النجاح فالعائد الإبداعي هنا سيكون أكبر والمدين سيستمر، أما في حال فشلهم في هذا فقد يؤدي ذلك إلى خسارة كلا الطرفين، أما المدين فسيخسر هذا المجال وقد يتحول إلى تصفية وينتهي، وأما الدائن فبدلًا من أن يحصل على معظم حقه في إعادة التنظيم المالي فقد لا يحصل إلا على (عشرين بالمائة) إلى (ثلاثين بالمائة) من حقه إذا تحول الإجراء إلى تصفية.​